Status Audio Magazine

{{langos!='ar'?"Issue "+guestData[0].issueNb:"عدد "+guestData[0].issueNb}}
{{langos!='ar'?item.title:item.arTitle}}
{{langos!='ar'?item.caption:item.arCaption}}
{{langos!='ar'?item.title:item.arTitle}}
Share
{{(itemEpisode.isfavorite?'removetofav':'addtofav')|translate}}
In Their Own Voices: The Audio Divan of Modern Arabic Poetry
Poetry and Exile
{{langos=='en'?('15/12/2016' | todate):('15/12/2016' | artodate)}} - Issue 2.3
Hosted by Osama Esber

In the second episode of the program In Their Own Voices: The Audio Divan of Modern Arabic Poetry, the Syrian Kurdish poet Golan Haji sheds light on his Kurdish background and how exile enriches the poet's experience. 

Guests

Golan Haji
Golan Haji

A Syrian Kurdish Poet and Translator, Golan Haji also studied medicine

Golan Haji is a Syrian poet and translator with a postgraduate degree in pathology. He was born in 1977 in Amouda, a Kurdish town in the north of Syria. He studied medicine at the University of Damascus. He has worked as a translator from English and American literature, and has translated Robert Louis Stevenson's Scottish classic Strange Case of Dr. Jekyll and Mr. Hyde into Arabic. His first collection of poetry in Arabic, Called in Darkness (2004), won the Al-Maghut prize in poetry. His second book of poetry, Someone Sees You as a Monster (2008), was published during the event celebrating Damascus as the Capital of culture in 2008. His next collection, My Cold Faraway Home, was published in Beirut. He lived in Damascus until he had to flee his country, and has now settled in France. Golan Haji contributes regularly to the cultural press in Lebanon. He has participated in many poetry festivals in Syria and all over the world.

read more

Program Transcript

بأصواتهم: الديوان الصوتي للشعر العربي الحديث
الشعر والمنفى
حوار مع الشاعر السوري جولان حاجي


أسامة إسبر: جولان حاجي شاعر ومترجم سوري كردي ولد في بلدة عامودة عام  1977 تخرج من كلية الطب في جامعة دمشق وعمل في مستشفياتها، قبل أن يتوقف عن ممارسة المهنة. مقيم حالياً في فرنسا.
 صدرت له المجموعات الشعرية: “نادى في الظلمات” 2006، “ثمة من يراك وحشاً” 2008، ”الزناة” (قصيدة طويلة مترجمة إلى الدنمركية) 2011، “الخريف، هنا، ساحر و كبير”2013، في طبعة مزدوجة بالعربية والإيطالية في روما
ترجم العديد من الأعمال عن الإنكليزية وإليها، وأصدر كتباً مترجمة لشعراء وكتاب مثل مارك ستراند وروبرت لويس ستيفنسن، إضافة إلى العديد من النصوص والمقالات و الترجمات الأخرى في صحف ودوريات عربية وأجنبية. سيصدر له في بيروت قبل نهاية هذه السنة كتابان: الأول ترجمة “فن القراءة” لألبرتو مانغويل عن دار الساقي و الثاني “إلى أن قامت الحرب” عن دار رياض الريس، وهو كتاب سردي استند إلى حوارات أجرتها جمعية “استيقظت” مع نساء سوريات بين عامي 2011 و2013

.الشاعر جولان حاجي، أهلاً وسهلاً بك ضيفاً في مجلة الوضع الصوتية في برنامج “بأصواتهم: الديوان الصوتي للشعر العربي الحديث

 جولان حاجي شاعر سوري من أصل كردي يكتب بالعربية، هل يمكن أن تحدثنا كيف أثرت البيئة الكردية، الثقافة الكردية، والشعر المكتوب باللغة الكردية أو العربية في تجربتك كشاعر، كيف تتعامل مع هذه المؤثرات وأنت تكتب 
بالعربية؟

جولان حاجي: في الواقع أنا لم أعرف اللغة العربية كتابة وحتى كلاماً قبل عمر الخمس سنوات،عندما التحقت بالمدرسة الابتدائية في عامودا، لكنني لم أتعلم اللغة الكردية قراءة وكتابة إذ ما أزال أجهل لغتي الأم التي أتكلمها فقط وأقرأ بصعوبة كبيرة وأكاد لا أعرف الكتابة باللغة الكردية لأسباب سياسية قد تكون معروفة للكثيرين. فاللغة الكردية ممنوعة ومحظورة في سوريا في ظل أنظمة الحكمة المختلفة والمتعاقبة. وقد مرّ الأكراد في ظروف صعبة تاريخياً في المنطقة عموماً وربما في سوريا كان القمع المسلط على الأكراد أقل وطأة، أي لم تحدث مجازر بحق الأكراد بالمعنى الواسع والكبير للكلمة، لكن الثقافة السياسية الكردية حتى على صعيد بلدة صغيرة مثل عامودا كان فيها شيء من الضيق والانغلاق ليس لأنها فقط ثقافة أو لغةأقليات، أو أقلية مضطهدة أو محاربة لأسباب مختلفة وفي مراحل مختلفة، لكن  هناك دور تقوم به الثقافة كواجب نضالي إنساني أو للتعريف بقضية ما، كالقضية الكردية التي يتفق الجميع على أنها قضية عادلة وبحاجة إلى حل. ويحكى هذا الكلام منذ عقود وعقود. لكن هذا الجانب المسيّس في الكتابة
.ولّد في الواقع نوعاً من الاختناق، بمعنى أنا هويتي كردية وهذا شيء لا يد لي فيه، أنا كردي ولادة وتكلمت اللغة الكردية وهذا الموضوع جزء من طبيعة الأشياء

أسامة إسبر: هذا يقودنا إلى سؤال آخر مرتبط بالإجابة التي قدمتها. قلتَ في مقال لك منشور باللغة الإنكليزية إن سوريا انتُزعت من السوريين، وهم في هذه الأيام يشعرون أنهم جزء منها، ولكن كلٌّ بطريقته الخاصة، كيف يشعر جولان حاجي الشاعر بذلك، كيف تشعر أنك جزء من سوريا الآن وأنت مجبر على العيش بعيداً عنها؟

جولان حاجي: صحيح، في الواقع إن الوضع الذي شمل الكثير من السوريين، ملايين السوريين في السنوات الخمس الأخيرة، هو وضع السوري كشخص منبوذ أو لاجئ أو مشكوك فيه أو مرفوض،  بشكل من الأشكال،  وكان الكردي يشعر بهذه الأحاسيس بأشكال مختلفة، ليس بهذه الوطأة أو بهذه الشدة بالتأكيد فهناك درجات متفاوتة من الإحساس بالرفض وأنك موجود داخل مكان لا يقبل بك كما أنت، بل أنت مطالب دائماً بتقديم تبرير أو حجج أو براهين أنك منتم إلى المكان الذي أنت فيه وهذه مفارقة تاريخية في الواقع. وأعتقد أن هذا استمر بعد قيام الثورة السورية وما تلاها من حرب.هذه المواضيع المعقدة جداً انفجرت وشملت كل الوضع السوري الآن، فالآن لم يعد يعني الأمر أنك تنتمي إلى مكان محدد له حدود، وله ثقافة، ولهمجتمع يمثله. فسوريا الآن ممزقة ومتناثرة، وهي بهذا الشكل في هذا المهب التاريخي الهائل فإن كل سوري بشكل ما يخترع سوريا التي تخيلها وعاشها لكن بالتأكيد هي ليست سوريا واحدة. لدينا تصورات متناقضة جداً عن هذا الشيء وعن هذا المفهوم الذي أعتقد أنه سياسي مرة أخرى في بلد مثل سوريا وقع في قبضة أنظمة استبدادية ابتداء بحزب البعث وانتهاء بحكم الأسد الأب أو الأسد الابن. كان هذا الموضوع مغيباً بالكامل في سوريا. كانت سوريا بلداً ملوناً بالألم، وهذه الفاجعة التي حدثت والتي انتمينا نحن إليها وفي الوقت نفسه فقدنا انتماءنا إليها، وهذه مفارقة، فالمكان تقريباً غير موجود بالصورة التقليدية التي نعرفه بها، وفي الوقت نفسه نحن مطالبون بالانتماء لخراب شاركنا بصناعته بشكل من الأشكال. إن الكردي في سوريالا يختلف عن غيره من ناحية الظلم العام أو القمع الذي طال جميع السوريين، لا يختلف في هذا الجانب عن باقي السوريين. فمثلاً أنا ككردي أكتب بالعربية لم أجد أية غرابة في أن أكتب بلغة ليست لغتي، فهي في النهاية خيار
.و هي خيار ليس فقط سياسياً بل خيار جمالي، خيار مفتوح

أسامة إسبر: هذا واضح في الأدب الكردي بشكل عام، مثلاً سليم بركات يستخدم اللغة العربية بطريقة يبز فيها الكتاب العرب أنفسهم، وهم أبناء اللغة، هل ترى في موضوع الهجرة إلى لغة أخرى، كما فعل الروائي جوزف كونراد مثلاً، الذي استخدم اللغة الإنكليزية بطريقة بزّ فيها أيضاً الناثرين الإنكليز. هل شعرت بهذا النوع من التحدي مع اللغة العربية؟

جولان حاجي: بالنسبة لي إن علاقتي الشخصية مع اللغة العربية ليس فيها تلك المبارزات، ولا التحديات، آخذها ربما بطريقة طبيعية أكثر، بمعنى أنني اخترت هذه اللغة كي أكتب بها، وطول سنوات وسنوات كتبت بها وترجمتُ إليها، لكن منذ البداية  كنا في مدينة صغيرة طابعها كردي ولكننا نكتب ونقرأ باللغة العربية، هي عامودا، وكان هذا شيئاً مفتوحاً من البداية، وهو لم يكن أمراً قائماً على خيار سياسي أو لإثبات ما أو للتغلب على خصم، وفيما بعد حين بدأت بتعلم لغات أخرى ظل الموضوع في جوهره كما هو، بمعنى أن هذه اللغة هي بوابة للانفتاح على العالم، وهي في الوقت نفسه حياة، فحين يتقن المرء اللغة العربية فإن هذا أحد الأشياء القليلة التي قدرت أن أحملها معي من بلدي، فهذا شيء ينقل، لا يحجر عليه، لا يثير الشبهات،موجود دائماً داخل الرأس، شيء حي، بمقدوري أن أضيف إليه، وأن أغنيه بطريقتي، أن أفشل فيه بطريقتي، لكن دائماً بطريقة أراها بعيدة عن الصدامات السياسية بالمعنى الهوياتي. لا أرى نفسي بالضبط كردياً يكتب باللغة العربية، دائماً هناك هوامش أخرى موجودة  في هوية المرء
.وتصوره عن نفسه، مفتوحة

أسامة إسبر: أنا معك بأن الجمالية الشعرية تتجاوز هذه التقسيمات، دعنا ننتقل إلى مستوى آخر في الحوار حول تجربتك الشعرية، نحن نعرف أن لكلّ شاعر أسلوبه المختلف، والهوية الشعرية لأي شاعر تتجلى في مدى اختلافه عن الشعراء الآخرين وافتتاحه لنفسه طريقة خاصة في استخدام اللغة و التعبير عن رؤيته. كيف ينظر جولان حاجي إلى خطه الشعري، في إطار الشعر المكتوب بالكردية أو العربية؟  أو في إطار التقاليد الأدبية في
.هاتين اللغتين


جولان حاجي: أعتقد أن مقدرتي على الحكم على ما يكتب باللغة الكردية شبه معدومة بالمعنى الجمالي، ولكن أعتقد أنه كان هناك تياران أساسيان في الشعر المكتوب باللغة الكردية في سوريا. كان هناك تيار قومي سياسي، وكان هناك تيار آخر غنائي ورومانتيكي. إن التغيرات التي طالت الشعر الكردي في سوريا متأخرة، لا يزال يعبر عن حال شعب تاريخياً له مآسيه وله نضالاته. كان مطلوباً من الشعر أن يأخذ هذا الدور الذي ربما كان مهماً من الناحية الاجتماعية النضالية، لكنه بالمعنى الفكري، أو حتى بالمعنى الجمالي للكلمة لم يكن جذرياً، كان قائماً دائماً على شيء من المجاراة. نحن نجاري الوضع، وفي الواقع هذه النظرة في الربط بين السياسي والشعري سواء ضمن الشعر السوري الكردي أو العربي كانت موجودة دائماً، فنحنفي قلب اللحظة المأساوية السورية الكبرى. وعندما يُطالب الشاعر بأن يأخذ موقفاً أو يكتب عن هذا الأمر، فإن هذا غير صحيح، ولا أعتقد أنه من الصواب مطالبة الشاعر بأن يكتب عن أي شيء  بالمعنى الشعري. الشيء الآخر هو أن الشعر السوري الكردي كان حيوياً جداً ولا يزال، فهناك الكثير من الشعراء الأكراد الذين كتبوا باللغة العربية وأجادوا فيها من أجيال مختلفة. فالشاعر الكردي كان يغني اللغة العربي بالقصص التي لديه والتعابير بالكردية. إن أي شاعر يكتب بلغته وله ذاكرة في لغة أخرى أو في ثقافة أخرى هذه الحركة تولد حيوية. وأنا حين كتبت لم يكن عندي تصور واضح تماماً لما أقوم به ولا أعتقد أن هناك أي شاعر واع مائة بالمائة لما يقوم به في عملية الكتابة فهي ليست عملية واعية مطلقاً. هناك أشياء حاولت أنتبدو لي القصيدة في  العربية بأنها ترجمة في حد ذاتها، وحتى عندما كنا في عامودا ولاحقاً في دمشق وحلب لم نكن نتناول هذه المحاور بمعنى، لنقل على سبيل المثال شعراء الحداثة العرب من الأربعينيات والخمسينيات إلى التسعينيات، لم نكن نقرأهم بشكل مختلف عما نقرأ به شعراء آخرين في العالم، فقد كنا مفتوحين منذ البداية ضمن الشعر السوري والكردي ولكن في نفس الوقت ضمن شعر العالم، أي نحن منتمون إلى هذا العالم ولو كنا في قرية صغيرة، ولا أقول هذا بالمعنى التكنولوجي الأجوف للكلمة. إذ حتى لو كان المرء في قرية صغيرة في شمال سوريا أو في الغرب أو الجنوب، كان هناك فسحة للانفتاح على العالم وعلى الوجود عبر الشعر، عبر المخيلة، وعبر القراءة. لذلك أجد لنفسي في الواقع مطرحاً واضحاً سواء فيالشعر الكردي أو في الشعر السوري، العملية كانت دائماً تتحول وتنفتح على أشياء أخرى.

أسامة إسبر: هناك ظاهرة أود أن أسمع رأيك حولها، نحن نعلم، وإحصائياً أيضاً، أن قراءة الشعر تتراجع في العالم، فالناشرون يعزفون عن النشر للشعراء إلا ضمن شروط معينة، حتى في عالمنا العربي الذي، كما تعلم، يتفاخر بموروثه الشعري نلاحظ تراجعاً مريعاً في توزيع الكتاب الشعري وفي التفاعل مع الشعراء، وأنا مثلاً اشتغلت في مجال النشر والتوزيع، كان الموزعون يقولون لصاحب دار النشر: لا تضف إلى القائمة دواوين شعرية أو قصصاً قصيرة، إلى ماذا تعزو هذه الظاهرة؟

جولان حاجي: أعتقد أنها ظاهرة في العالم أجمع من اليابان إلى أمريكا وقد تفاقمت أكثر حالياً، لكن الشعر لا يكتب دائماً للنشر في كتاب، أو فقط للوصول إلى جمهور واسع، ففي الولايات المتحدة الكتب التي تحقق أفضل المبيعات ويظهر كتابها على الشاشات، كان الشعر دوماً لأقلية معينة من القراء قد تكون كبيرة أحياناً في حالات استثنائية لكنها كانت تستمر دائماً في تلك المنطقة الخافتة التي لا تخضع للمساومة لأنه لا يمكن الاتجار بها، وهذا في الواقع ليس فيه أي شيء جذاب تجارياً، وهو عملياً شيء خاسر، والشعر بالمعنى البعيد للكلمة هو فن الخسارة لأنك تتعامل مع خساراتك بالمعنى الواسع للكلمة وتحولها لما يمكن تقاسمه مع ناس مجهولين، قد يكون قارئاً واحداً أو عدداً لا تستطيع معرفته، أعتقد أن تراجع اهتمام دور النشربالشعر كان دائماً، منذ زمن الشعراء الرومان، فمارتيال الشاعر المشهور النجم، كنزار قباني مثلاً عند العرب، كان يقول إن كتبه كانت تباع في محلات العطور. إن رواج الاسم كشكل من السطوة أو السلطة تتبناه دور النشر في حالة واحدة فقط، ولا أعتقد أن المسألة مرتبطة فقط بالربح والخسارة، بل المفهوم مرتبط بالسلطة في الواقع، هناك الشعر كان دائماً قليلاً، والتصور الذي ذكرته بأن هناك أمة تتباهى بأن الشعر هو ديوانها وإرثها الأغنى، هي تحديداً كانت مأخوذة بالسطوة وسلطة الاسم وليس بالقصيدة بحد ذاتها، فمثلاً هناك أسماء كبرى لم أعد أقرأها، وقد فقدت الفضول لمتابعة الكثير من الأشياء، لكن كان اتجاه
.النصوص أو القصائد بغض النظر عن الاسم

أسامة إسبر: هل تركت قراءة هذه الأسماء بسبب سطوتها؟ مثلاً يتحدث ت.س. إليوت عن نقطة مهمة تتعلق بالقراءة وهي أن الشعراء الجدد، أو شعراء الجيل الجديد يجب أن يؤجلوا دوماً قراءة الشعراء الكبار لأنه إذا بدأوا بقرائتهم فإنهم سيقعون تحت هيمنتهم الأسلوبية، هل تذهب في هذا الاتجاه أم هناك أسباب أخرى لعزوفك عنهم؟

جولان حاجي: يبدأ المرء بالبحث فعلاً عما يتمعه أو يناسبه أو يحرك فكره وخياله بالطريقة المنسجمة معه. بالنسبة لي ليس هناك أي فرق بين شاعر من أستراليا مثل ليس موري على سبيل المثال، أو من أميركا الجنوبية أو شاعر كردي. يختفي هذا الفرق لأنه بحكم السنوات التي تمر والقراءات المختلفة، هناك أشياء كثيرة تفقد بريقها، الجدل يفقد بريقه، حتى النشر الذي كان في بعض الحالات دافعاً لشخص في بداياته، هذه الأمور تفقد بريقها لكن الكتابة لا تفقده، تبقى هناك أشياء تشدك وفي الواقع تكتشف أنك مأخوذ
.بأسماء لأن الآخرين كانوا مأخوذين  بها

أسامة إسبر: لنتناول الموضوع من زاوية أخرى.  أنت شاعر في منفاك الباريسي، ثمة اقتلاع مزدوج  تعيشه، فهناك المشكلةالكردية المزمنة في عدم الاستقرار في وطن قومي وقد أشرت إلى هذا الموضوع، وهناك أيضاً المشكلة السورية التي طال تأثيرها الجميع، ما أود أن أسألك عنه، هل تجربتك كشاعر في المنفى تختلف عن تجربتك حين كنت في الداخل، وكيف أثرت تجربة المنفى في شعرك؟

جولان حاجي: في الواقع لدي إحساس ليس جديداً وهو أنني لست كردياً بما فيه الكفاية ولست سورياً بما فيه الكفاية، ولا أعرف بالضبط ما يمكن أن يعنيه كلاهما، فاليوم حين يقال “سوريا” تشعر أن الكلمة مسيسة، بسبب الإعلام وكل الأهوال التي حدثت، وسلفاً تُوضع ضمن هذا الصندوق، تنهال عليك الأفكار الجاهزة، وفي لحظة فارقة وكارثية كهذه يصعب عليك حتى أن تستخدم كلمة منفى، فأنا أجد نوعاً من الترف في هذه النجاة وأتجنبها، والتركيز الأساسي هو على العمل، وفي حالتي هو القراءة والكتابة والترجمة، وهذا شكل من النسيان والإضافة في الوقت نفسه. فأنا أضيف وأنسى، أنسى بمعنى أنسى الإحساس بالذنب، أنسى الألم، هذه المواضيع الممضة التي أحسها دوماً وراء ستارة، فكل هذه الأشياء نائمة في مكان ما، أو أنانوّمتُها في الواقع بالاستغراق الهوسي أحياناً في القراءة أو الكتابة أو العمل على عدة أمور في الوقت نفسه، فقط كي أكون في مكان هو في الواقع ليس أي مكان، ليس هناك وليس هنا. هناك أشياء مركبة ولكن لها مزايا بالتأكيد، بمعنى لولا المخاوف  التي يمكن أن تكون موجودة لدى أي غريب، ليس فقط أنك مرتبط أو قادم من مكان تواطأ العالم كله على تدميره، إنما تشعر بفرصة أن تكون غريباً وغنى أن تكون غريباً في مكان لا توجد فيه مسؤوليات أخلاقية مباشرة مرتبطة بالكتابة، أنا في مكان غريب  ليس بالضرورة أن يكون فرنسا، قد يكون أي مكان بما أنه ليس سوريا التي كانت بدورها مكاناً غريباً آخر في الواقع. كان هناك منفى داخل سوريا، والآن هناك منفى أوسع بكثير لدرجة  تبخر المكان، والشخص يتذكر باستمرار، يتذكربطريقة أشعر بها أحياناً مرضية، القدرة على تذكر أدق الأشياء، بعد هذه المسافة، فالأشياء ازدادت نصوعاً وبريقاً وحدة بعد هذه المسافة الجغرافية والزمنية للألم الذي مر وما يزال. أضاف المنفى لهذا الواقع بالرغم فعلاً من خجلي من كلمة
.المنفى أو عدم إحساسي الواضح بها. أشعر أنه أتيح لي أن أكون غريباً بالقدر الأقل من الخوف

أسامة إسبر:  أنت من الشعراء المهتمين بترجمة الشعر من اللغة الإنكليزية إلى العربية وبالعكس، أود أن أسألك ما الذي تشعر أن القصيدة تخسره حين تُنقل إلى لغة أخرى؟ وكيف كان تفاعل القراء مع الشعراء الذين ترجمت لهم؟

جولان حاجي: أتذكر أن أول محاولاتي فيها عثرات، وكانت مع الشاعر الأميركي مارك ستراند، كنت أراسل أصدقائي وفي دمشق عثرت على مكتبة المركز الثقافي الأميركي المهمة في دمشق، وكنت أقرأ بطريقة عشوائية، إذ لم يكن هناك أي شيء يقودني في هذه القراءة غير الاستمتاع بما أقرأ. وأحياناً كنت أقرأ ولا أفهم جيداً سنة 1994 و1995، منذ عشرين سنة، وكان خطأ الفهم يولد ترجمات كانت هي قصائد أخرى، وأحياناً كانت موفقة، تتولد قصيدة هي ليست الأصل وليست ترجمة،  نوع رابع في الواقع قائم على عدم الفهم، ثم مع مرور الوقت كنت أرسل إلى أصدقائي في عامودا ترجمات أولية أقوم بها لوالاس ستيفنز وشعراء آخرين، إلى أن وقعت على مارك ستراند. حين بدأت بترجمة قصائد مجموعاته الأولى على وجهالخصوص، أحسسنا في الواقع أنه شاعر من مكاننا، وتبادلنا قصائده كأنها قصائد شاعر من مكان نعرفه أو من مدينتنا. كنا نحفظ بعض قصائده غيباً. كنا ضمن مجموعة صغيرة، ثم نشر الكتاب لاحقاً مع الهنات والتفاوتات الموجودة في ترجمته منذ ذلك الوقت، أي منذ 15 عاماً. لكنني أحسست
.أن هذا الشاعر الذي جاء من لغة أخرى وثقافة أخرى إلى بلدة في شمال سوريا كان في مكانه الطبيعي

أسامة إسبر: بمعنى أن الشعر يتجاوز الحدود القومية

جولان حاجي: تذكر ما يقوله الجاحظ بأن الشعر لا يترجم ولا يجوز عليه النقل، فالموضوع هو موضوع إيقاع في النهاية ولكن هناك شعراء مثل كافافيس وريتسوس، اللذين لهما حضورهما في الثقافة العربية، وأغنيا الحداثة الشعرية العربية، لم يستخدما الإيقاع إلا في بعض الحالات، فكاكافيس كتب قصائد نثر، وقصائدة مؤثرة في أية لغة وجدت فيها بطريقتها الخاصة الغامضة، ولم تكن القصيدة التي توصم بأنها أجنبية مترجمة بمعنى الركاكة وضعف التعبير، القيم التي كانت توصف بها القصائد المهمة كجزالة التعابير والصور، إلخ. هذه كانت تحفظ للأصل أما الترجمة فهي شوائب، ركاكة، أي تحولت إلى نوع من الوصمة، لكن هذا الكلام سطحي وغير صحيح ، وكانت
.الترجمة التي قمنا بها في ذلك الوقت متعة بالدرجة الأولى. كنا نستمتع بالتنقل بين هذه اللغات وأن يكون هناك غريب بيننا يُستمع إليه ولا يعتبر أجنبياً

أسامة إسبر: لنفسح المجال الآن للشعر ولصوت الشاعر، هل اخترت قصيدة لمستعمينا، ونحن أيضاً في شوق وتطلع لذلك

."جولان حاجي: هناك قصيدة نثرية سردية، عنوان هذه القصيدة هو “العائلة النائمة

أسامة إسبر: هل يمكن أن تحدثنا قليلاً عن سبب اختيار هذا النص بالتحديد

جولان حاجي: هي قصيدة غير منشورة وكتبتها منذ فترة قليلة نسبياً. وفضلت أن أقرأ شيئاً جديداً، وأن لا أقرأ مما هو منشور، وأعتقد أنها بطريقتها مرتبطة بما يجري.

---------
:نص القصيدة
العائلة النائمة

بمفتاحٍ مُعلَّق إلى خصرها، فتحت أمُّنا باباً كان الموتُ ينتظرها وراءه
قبل هذا الصمت، سمعنا ناياً في غرف التراب؛ سمعتَه قبلنا وحذّرتنا: المرأةُ ناي، والرجلُ ناي، والموتُ، الموسيقيّ الأعمى، بفمٍ من ضوء وفمٍ من ريح ينفخ في ثقوبهما
لنا الصمت- بغفرانه وقسواته. بمنقاره حفر غرابٌ الفتحة الأولى في المؤخرة الأولى والمغارة بين الفخذين، حفرَ السرة والفم والأذنين، ودلّ قابيل إلى فكرة القبر. لنقتل فكرة الغراب قتلنا الغراب- مدرّب الإنسان على الدفن، ملقّنه الأسرارَ والسرقات، معلّمَنا الالتفاتَ كاللصوص إلى البريق، أوّلَ المدفونين في ترحّلنا
يعزف أخي على ناي أكرهه فترتعش البروق كدمٍ في العروق والأزقة. الموسيقى ليلُ التعاسة ونهارُ الفقر الذي تختخت فيه عظامنا. تتهادى الأغنيات، من زرقة طوروس إلى الحظائر ودكك الطين، ونايات أخي تجوب الليالي خفافاً كعظام أمي التي ستصفر فيها الريح
كم ذرَفتْنا الموسيقى. كم احتملنا هذه الكآبات، وكم أنصتنا إلى الأسى مطبقاً على أنفاسنا. قديمةٌ هذه الموسيقى، قديمةٌ لأنها حياتنا؛ بالحزن أيقظتْ أمَّنا من عماء الموت. أعادها نايٌ أحبَّتْه، فتاةً هادئة هذه الظهيرة تلقي على كتفيها جديلتين رقيقتين، ونحن في وهج البراري، أمام هذا الكهف الذي آوانا، نظلّلُ بالراحات أعيننا وندفعُ بالضحكات سيلَ المخاوف: سنشمُّ في فستانها بنفسجاتٍ صغيرة تبقّعُ أرضاً احترقتْ، وقد تردُّ إلينا عقولَنا زهرةٌ لا نراها، فلا نحشو بالكلمات كلّ فراغ يخيفنا
أمّنا طفلتنا. أمّنا أيفعُ من أختنا، والصيفُ عرس. مزفوفةً إلى رأس الجبل كثلجٍ تلامسه يدُ الصبح، محمولة في الهواء كريشة أو وشاح خفيف، ظلّها ممحوٌّ بزهور مشمش لا تذبل (قبرتْ جذورَ الشجرة أساساتُ بيتنا الذي اختفى)؛ لا تذبل البتلات المزهرة في بيت ذاكرتنا: على كلّ تويجٍ سقتْهُ أمّنا تترقرق قطرةٌ صغيرة، نجمة فجر تخفقُ في ضياء النهار
أخي، على فمِ البئر نايٌ يقصُّ به الترابُ أيامنا على الأحجار ويُسمِعني صمتَك. الموتى يعودون ليعيشوا بيننا، وفي غدٍ قريب سيصحبوننا إلى السُّحُب كدموع أمّنا الممسوحةِ بأصابع النسيم

(من "منامات الأكراد")

أسامة إسبر: شكراً على هذا النص الرائع، وأهلاً بالشاعر جولان حاجي ضيفاً في مجلة الوضع، في برنامج: بأصواتهم: الديوان الصوتي للشعر العربي الحديث

جولان حاجي: شكراً لك عزيزي. وسعدت بالحديث معك

read more